عن الذين نصَّبوا أنفسهم ناطقين باسم الاغتراب

بعد فترةٍ قصيرةٍ من البدءِ بممارسة مهماتي سفيراً للبنانَ في المكسيك زارني وفدٌ من الناشطين في الشؤون الإغترابيةِ وقدّموا لي عريضةً باسمِ الجمعيّاتِ اللبنانيّةِ تطالبُ بالإحتفالِ سنوياً بالإغترابِ اللبنانيِّ في العالمِ، وأن يكونَ ذلك بقرارٍ من الدولةِ اللبنانيّة. بعد تداولِ الموضوعِ ولجعلِ المطلبِ محدّداً، أعيدت صياغةُ العريضةِ وقد وجدنا أنَّ نهايةَ الأسبوعِ الثاني من آذار موعداً مناسباً للمقيمين في النصفِ الشمالي من الكرّةِ الأرضيّةِ وكذلك للمقيمين في النصفِ الجنوبيِّ منه إذ يأتي التاريخُ بعد نهايةِ العطلةِ الصيفيّةِ في بلدانهم.

بعد متابعةٍ ملحّةٍ للموضوعِ أُرسلَ الإقتراح إلى مجلسِ الوزراءِ الذي تبنّاهُ وأصدرَ قراراً في تشرين الأول من العام 2000 بالإحتفالِ سنويّاً باليومِ العالميِّ للمغتربِ اللبنانيّ في نهايةِ الأسبوعِ الثاني من آذار من كل سنةٍ.
وقد أصبحَ يومُ المغتربِ اللبنانيِّ في المكسيك مناسبةً لتذكّر الروّاد الأوائلِ في احتفالاتٍ يغلبُ عليها الحنين والعواطف الجيّاشة لرؤيةِ صور الأجداد والآباءِ الذين عانوا الكثير لتأمينِ حياة رغيدة لأبنائهم وأحفادهم. وتحتفلُ جاليات كثيرةٌ بالمناسبة في نفسِ اليومِ أو في تاريخٍ مختلف.
الفكرة من الإحتفالِ باليومِ العالميِّ للمغتربِ اللبنانيِّ هي تكريمُ الآلافِ من الشبابِ والشاباتِ الذين غادروا قراهم منذ النصفِ الأخيرِ من القرنِ التاسع عشر إلى أصقاعِ الأرضِ ليبدأوا حياةً جديدةً عانوا فيها من الغربةِ وصعوبةِ التواصلِ مع السكانِ وشظفِ العيشِ الذي يعانيه فقراءُ الأرضِ في كلِّ حين. فلهؤلاءِ علينا حق الإعترافِ بريادتهم وعلوِّ همّتهم وقد شرّعوا أبوابَ السفرِ للأجيالِ اللاحقةِ مما جعلَ من الإغترابِ اللبنانيِّ ظاهرةً عالميةً من حيثُ سعةِ انتشارهِ والإندماجِ الذي حقّقه اللبنانيّون في ديار جديدةٍ ونجاحاتهم في حقولٍ مختلفةٍ تتّسعُ باستمرارٍ مع أحفادهم وتجعلُ من لبنانَ إسماً مرادفاً للإنجازِ والتألّق.
كذلك فإنَّ اجتماعَ اللبنانيّين المقيمين والمغتربين والمتحدّرين على ذكرِ مغتربيهم في شرقِ الأرضِ ومغاربها في يومٍ واحدٍ، من شأنه أن يشعرنا بوحدةٍ فيما بيننا، نفتقدها في الوطنِ وفي الجاليات، بما يعزّزُ مشاعرَ الهويّةِ الغائبةِ في نفوسنا وفي علاقاتنا.
بعد سبعةِ عشر عاماً على قرارِ مجلسِ الوزراءِ، لا تبدو الدولةُ اللبنانيّةُ في واردِ الإحتفالِ بالمناسبة، وحتى وسائلُ الإعلامِ المتحفّزة للإدلاءِ بدلوها في كلِّ شأن، كما هو منتظرٌ منها، تغيب عن هذا الحدثِ الذي له كل المبرّرات في بلدٍ يعاني أهلُهُ من اضطّرار شبابهم إلى الهجرةِ دون أملٍ بالعودةِ في كثيرٍ من الأحيانِ. وعدا عن الإعترافِ بفضلِ المغتربين في رفعِ اسمِ بلدهم عالياً بين الأممِ، فإنَّ الإقتصادَ اللبنانيَّ مدينٌ حالياً بشكلٍ أساسيٍّ لمساهمةِ المغتربين في تعزيزِ ميزانِ مدفوعاته وفي تأمينِ الحياةِ الكريمةِ لأهلهم في البلاد.
المدهشُ أنَّ من نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الإغترابِ بمناسبةٍ وغير مناسبةٍ لم يلتفتوا مطلقاً إلى هذا الشأن وما يعكسه من عرفانِ جميلٍ ولو متأخراً، فأجندتهم ليست في هذا الوارد.
إنَّ الإحتفالَ باليومِ العالميِّ للمغتربِ اللبنانيِّ هو مناسبة للتفكير الجدّيِّ في توطيدِ الأواصرِ بملايين المتحدّرين وهناك الكثير من السبلِ العمليةِ لتحقيقِ ذلك، بالمنحِ الدراسيّة والبعثاتِ التعليميةِ للغةِ العربيّةِ والمشاريع الثقافيّةِ والإقتصاديّةِ المشتركةِ التي تفيدُ الجاليات بحسبِ حاجاتها وإمكاناتها. فللمغتربين وأبنائهم حقوق علينا كالحفاظ على أملاكهم التي تتعرّضُ للنهبِ من الأقرباء، ومن الشطّارِ الذين جعلوا من السطوِ عليها مهنة مجزية.
أما المطالبة بحقِّ المغتربين في الإنتخابِ فهي مطلبٌ محلّيٌّ للأخذِ من هؤلاءِ الغائبين، ونهج الأخذ منهم يغلب على نهج العطاء، ولم أجد بينهم من يهتم بهذا الإنجاز الذي لا يعني لهم الكثير. فانتخاب سياسيين في بلدانهم، يشبهون سياسيينا في لبنان أمرٌ متيسّرٌ وأكثرُ جدوى أحياناً. والأمرُ حديثٌ ذو شجون
المهم أن نغادرَ الكسلَ هذه السنة في 12 آذار وفي كلِّ سنةٍ لنعطي مغتربينا الأوائل والحاليين يوماً نذكرهم فيه في لبنانَ والعالم….. والدعوة عامة

السفير نهاد محمود

Facebooktwittergoogle_pluslinkedinmailFacebooktwittergoogle_pluslinkedinmail